مسلمو كمبوديا: اليوتوبيا الماركسية على حقول من الجماجم
كتب أ. مـمدوح الشيخ*
16/09/2011
"قاوم" خاص - وهذا البعد الأيديولوجي في جريمة الخمير الحمر هو جانب مظلم من حكم النظم الماركسية لا يتم تسليط الضوء عليه في الإعلام العربي، فالممارسات الإجرامية التي تتم المحاسبة على ارتكابها دفع إليها رغبة زعماء الحركة في إقامة مجتمع زراعي نموذجي مرت بسببه البلاد بفترة حالكة السواد تم فيها تهجير الكثير من سكان المدن إلى البوادي لممارسة الزراعة كما تمت إبادة آخرين.
هي جريمة إبادة وحشية لنحو مليوني مواطن, لا تزال تبوح بأسرارها الشيطانية منذ جرت وقائعها في منتصف السبعينيات من القرن العشرين.
وتنعقد هذه الأيام محاكمة لأربعة من الضالعين في اغتيال المواطنين. بقصد كشف حقيقة نظام بول بوت الهمجي, الذي اختطف كمبوديا بين عامي 1975 و1979، في إبريل 1975.
بدأت وقائع الجريمة عندما اجتاحت ميلشيات بول بوت العصمة الكمبودية بنوم بنه، وأسقطت نظام المارشال لون نول الذي سبق أن أطاح بحكم الأمير نوردوم سيهانوك. وما إن هيمنت حركة الخمير الحمر حتى شرعت في تنفيذ مخطط أيديولوجي ماركسي غريب الأطوار.
أيديولوجيا القتل الجماعي:
ولم تكن جريمة الإبادة التي شهدتها البلاد تحت حكم الخمير الحمر نتيجة مجريات صراع سياسي أو عسكري، بل كانت نخططا معدا سلفا.
فبمجرد استيلائهم على العاصمة الكمبودية صدرت أوامر صارمة بإخلاء العاصمة, وطرد سكانها إلي المناطق الريفية, واغتيال المثقفين والمهنيين تحت شعار الانتقام الطبقي. والإجراء الإجرامي كان ثمرة نظرية شيوعية كانت تري أن المناطق الريفية وحدها هي التي يتحقق فيها الفردوس المنشود, وأن الفلاحين هم المنوط بهم إنجازه, ولذلك عليهم أن يفلحوا الأرض منذ شروق الشمس حتى غروبها.
ومن لا يقدر علي هذا العمل اليومي الشاق يتعين اغتياله, واللافت للانتباه أن بول بوت وعصابته, وفي مقدمتهم الرجل الثاني نون تشيا أيديولوجي نظام الرعب والقتل الجماعي, كانوا يمارسون جرائمهم ضد الانسانية من وراء ستار كثيف. فالأوامر كانت تصدر باسم ما أطلقوا عليه "المنظمة" ويشير مؤرخون إلى أن بول بوت لم يفصح عن أنه الرجل الأول إلا في سبتمبر 1977، عندما ألقي لأول مرة خطابا جماهيريا زعم فيه أنه خلص البلاد من ألفي عام من اليأس.(1).
وهذا البعد الأيديولوجي في جريمة الخمير الحمر هو جانب مظلم من حكم النظم الماركسية لا يتم تسليط الضوء عليه في الإعلام العربي، فالممارسات الإجرامية التي تتم المحاسبة على ارتكابها دفع إليها رغبة زعماء الحركة في إقامة مجتمع زراعي نموذجي مرت بسببه البلاد بفترة حالكة السواد تم فيها تهجير الكثير من سكان المدن إلى البوادي لممارسة الزراعة كما تمت إبادة آخرين(2).
ولم يردع هذه العصابة الشيطانية موت مئات الألوف من المواطنين جوعا ومرضا. ولم يوخز ضميرها عمليات التعذيب المروعة في سجن تول سليج الذي كان يتولي أمره السفاح كاينج جيك, وقد مات تحت التعذيب حوالي 15 ألف مواطن, ووسط الفوضى الدموية للقتل والموت جوعا, اندلعت الحرب بين كمبوديا وفيتنام عام 1977, وتمكنت القوات الفيتنامية من غزو العاصمة الكمبودية وفرت العصابة الحاكمة وفلولها إلى الحدود مع تايلاند.
ولم تتبعثر بقايا قدرتهم على المقاومة, إلا عندما تم اعتقال بول بوت عام 1998, وجرى تقديمه للمحاكمة لكنه مات بسكتة قلبية, أما بقية أفراد العصابة فلاذوا بالفرار في الغابات, وسرعان ما استسلموا.
لكن السلطات لم تتخذ ضدهم أي إجراء حاسم واكتفت بتحديد إقامتهم في مناطق نائية. وبعد هذه السنوات الطويلة, يجري الآن محاكمتهم. ويتبوأ الرجل الثاني مكان الصدارة في المحاكمة التي تشرف عليها الأمم المتحدة, باعتباره المسئول عن جرائم القتل والإبادة, بعد موت الرجل الأول(3).
غفلة أم تعتيم مقصود؟
وإذا كان الإعلام العربي – المقروء والمرئي على السواء – قد قصر تقصيرا واضحا في إلقاء الضوء على هذه الصفحة من حكم الأيديولوجيا العلمانية الماركسية رغم أهميته الشديدة، فإن التقصير كان أوضح وأكثر فداحة فيما يخص مسلمي كمبوديا اللذين خرجوا عن صمتهم طالبين الإنصاف بعد ما لحق بهم من اضطهاد بشع في هذه الحقبة الدموية دون أن يهتم بمعاناتهم أحد.
فحسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية (أيه إف بي) يعجز مسلمو كمبوديا عن نسيان سنوات الرعب التي عاشوها في عهد الخمير الحمر عندما كان مجرد الصلاة يمكن أن يؤدي إلى الموت وهو ما يأملون الآن في كشفه للعالم. وكثيرون منهم لم ينجوا في نهاية السبعينات من النظام الشيوعي المتشدد المرعب الذي اعدم رجال الدين المسلمين ودمر المساجد واحرق المصاحف واجبر المسلمين على أكل لحم الخنزير ومنع الحجاب.
ويؤكد محضر اتهام ضد 4 قياديين سابقين في النظام الماركسي ما زالوا أحياء وتحاكمهم المحكمة الدولية في بنوم بنه أن المسلمين "كانوا يستهدفون ويقتلون منهجيا"، وخلال حقبة الاستهداف "حاول الناس إيجاد مكان للصلاة خلسة بشتى الوسائل. أحيانا أثناء قيادتهم العربات وأحيانا في الأدغال"، إلا أن الأكثر بشاعة فكان "الاختفاء القسري" حيث قتل كثيرون ودمرت مساجد كثيرة. ويأمل مسلمو كمبوديا الذين يعرفون باسم "الشام" في إحقاق العدل أخيرا للمعاملة التي لقيتها الأقليات الدينية والإثنية في عهد الخمير الحمر في وقت تجري فيه محاكمة قادة النظام السابق الذين ما زالوا على قيد الحياة، بتهمة الابادة امام محكمة دولية.
نهاية سنوات الصمت:
إمام أحد المساجد قال للوكالة الفرنسية: "الآن يمكننا أن نروي قصتنا"، وأضاف: "ندعم بالكامل المحاكمة لكشف الحقيقة ولقول ما حدث في عهد نظام بول بوت"، وتكتسب هذه المحاكمة أهمية خاصة لـ "الشام" الذين يشكل اضطهادهم بقسوة فصلا لا يلقى اهتماما كبيرا من فصول "حقول الموت" في كمبوديا في معظم الأحيان. وقبل بناء ملف الاتهام بالإبادة لقادة الخمير الحمر السابقين، لم تكن معاملة الأقلية المسلمة تناقش إلا نادرا. وبالتالي ستلقي المحاكمة الضوء على المصير المأسوي لمسلمي كمبوديا الذي بقي مهملا لفترة طويلة.(تقرير إيلاف(4).
ومن القصص المؤلمة في سنوات المأساة ما كشف عنه برنامج برنامج تلفزيوني أحيا الآمال في جمع شمل العائلات التي فرقها الخمير الحمر، البرنامج اسمه "هذا ليس حلما"، ومن أشهر الحالات التي ظهرت فيه فتاة تبلغ من العمر 42 عاما كانت تظن أنها وحيدة في العالم. وهي صرحت أمام مشاهدي البرنامج بأنها حاولت العثور على والديها لكنها لم تكن متفائلة.
والدها كان يحاول كذلك العثور على ابنته التي كانت لا تزال طفلة عندما أمسك الخمير الحمر بزمام السلطة. فقال هذا المزارع البالغ من العمر 65 عاما وهو يمسح دموعه "لم أكن أعلم بمكان وجودها. لم أكن أعلم حتى إذا ما كانت على قيد الحياة أم لا".
وقصتهما التي تبدو غريبة هي في الحقيقة عادية متكررة في بلد تفككت فيه أوصال مئات آلاف العائلات بين عامي 1975 و1979 حين أفرغت المدن من سكانها لصالح المزارع الريفية الجماعية في عهد نظام كان يعتبر أن الروابط العائلية ليست إلا تفاصيل ثانوية.
وقد أمضى كثير من الناجين عقودا في البحث عن أقربائهم الضائعين وهي مهمة اشتدت صعوبة مع اتلاف النظام للكثير من المستندات. وقد أبعدت هذه الفتاة عن والدها عام 1977 فور وفاة أمها جراء مرض لم تعرف طبيعته في معسكر أشغال فأودعها جدها عند عمتها. وتخبر وقبيل انهيار النظام، هربت هي وعمتها بسبب النزاعات بين الخمير الحمر والقوات الفيتنامية التي دخلت البلاد. وعندما طلب منها المغادرة، ركضت توقف وأدركت أنها فقدت عمتها وبعد هذه الحادثة، أصبحت دون أهل وكانت تتنقل من مكان إلى آخر وتعيش مع أشخاص لا تعرفهم..
ولندرك حجم معاناة هذه الفتاة وأمثالها ننقل قول يوك شانج المسؤول في مركز كمبوديا للتوثيق: "تشكل العائلة نقطة قوة في ثقافة الخمير". وبغية مساعدة الأمة المفجوعة في تقبل الخسارة، يقوم المركز بإعداد قائمة بالأشخاص الذين تم التأكد من وفاتهم. وهو قد جمع حتى الآن قرابة مليون اسم ويعتزم نشر القائمة بحلول عام 2013(5).
وحسب فارينا سو الهبير بمركز التوثيق في كمبوديا (دي سي كام) التي أعدت أبحاثا عن فظائع الخمير الحمر "في الماضي كان الحديث عن معاناة الشام في عهد الخمير الحمر قليلا". ومعاناتهم "لم يجر التحقيق فيها كثيرا"، مؤكدة أنهم "يريدون اعترافا من الشعب". ولا أحد يعرف على وجه الدقة كم مسلما راحوا ضحايا هذه الجريمة، لكن مركز التوثيق يقدر عدد القتلى بما بين مئة ألف و500 ألف من أصل 700 ألف مسلم(6).
هنا وقعت الجريمة:
وتقع كمبوديا في شرق آسيا وتحدها تايلاند من الشمال والغرب، ولاوس من الشمال، وفيتنام من الشرق والجنوب، وتبلغ مساحتها حوالي 180 ألف كيلومتر وسكانها حوالي 11 مليون نسمة، 6 % منهم مسلمون. والبلاد التي وصلها الإسلام في القرن الحادي عشر الميلادي، أتيح للمسلمين فيها المشاركة في الحكم حتى سقوط مملكة "تشامب" عام 1470، لينعزل المسلمون بعد ذلك.
وفي بداية سبعينيات القرن الميلادي العشرين كان لهم 122 مسجدا، و200 مصلى، و300 مدرسة إسلامية، فضلا عن مراكز لتحفيظ القرآن الكريم. وخلال حكم الخمير الحرق تم حرق المساجد والمدارس والمصاحف ومنع التحدث باللغة التشامبية لغة مسلمي كمبوديا.
وبعد زوال حكم الخمير الحمر تحسنت أحوال المسلمين الذين يقدر عددهم بأقل من 50 ألفا وأمكنهم ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وصار لهم 268 مسجدا و200 مصلى و300 مدرسة إسلامية ومركز لتحفيظ القرآن الكريم. كما ظهرت منظمات إسلامية مثل: "رابطة مسلمي كمبوديا"، و"رابطة الشباب المسلم الكمبودي"، و"مؤسسة تنمية مسلمي كمبوديا" وغيرها، فضلا عن مناصب سياسية عديدة(7).
لكن ما يحتاجه مسلمو كمبوديا هو في المقام الاعتراف بمعاناتهم والعدالة ومن المؤكد أنهم بحاجة ماسة إلى دعم إخوانهم المسلمين ماديا ومعنويا، وفي حاجة إلى بناء جسور معهم وتسليط الأضواء على قصتهم التي ما زالت مجهولة.
الهوامش :
(1) الرجل الثاني والأقنعة المراوغة – مقال – محمد عيسى الشرقاوي – الأهرام القاهرية –7 – 8 – 2011.
(2) بدء محاكمة رموز الخمير الحمر بكمبوديا – تقرير – الموقع الإخباري لقناة الجزيرة http://www.aljazeera.net – 27 – 6 – 2011.
(3) الرجل الثاني والأقنعة المراوغة – مقال – محمد عيسى الشرقاوي – الأهرام القاهرية – 7 – 8 – 2011.
(4) مسلمو كمبوديا يطالبون بالعدل لما تعرّضوا له في عهد الخمير الحمر – تقرير – موقع إيلاف – 17 يوليو 2011.
(5) برنامج تلفزيوني يحيي آمال العائلات التي فرقها الخمير الحمر – تقرير – جريدة عمان العمانية – 10 – 8 – 2011.
(6) مسلمو كمبوديا يطالبون بالعدل لما تعرّضوا له في عهد الخمير الحمر – تقرير – موقع إيلاف – 17 يوليو 2011.
(7) المسلمون في كمبوديا – تقرير – موقع الشبكة الإسلامية www.islamweb.net – 15 – 3 – 2002.
كاتب وباحث مصري.
حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر